رفيق العجم

531

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل . قال : هل بلغك غير هذا ؟ قال : لا . فقال : أما هذان فقد كفيتهما . وكان يسأل حذيفة . ويقول له : أنت صاحب سر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في المنافقين . فهل ترى على شيئا من آثار النفاق ؟ فهو على جلالة قدره وعلو منصبه ، هكذا كانت تهمته لنفسه - رضي اللّه عنه - فكل من كان أوفر عقلا وأعلى منصبا ، كان أقلّ إعجابا وأعظم اتّهاما لنفسه ، إلا أن هذا أيضا قد عزّ ، فقلّ في الأصدقاء من يترك المداهنة ، فيخبر بالعيب أو يترك الحسد ، فلا يزيد على قدر الواجب فلا تخلو في أصدقائك من حسود ، أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيبا ، أو عن مداهن ، يخفى عنك بعض عيوبك . ولهذا كان داود الطائي قد اعتزل الناس . فقيل له : لم لا تخالط الناس ؟ فقال : وماذا أصنع بأقوام تخفي عني عيوبي ؟ وكانت شهوة ذوي الدين أن ينتبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم . وقد آل الأمر في أمثالنا إلى أن أبغض الخلق إلينا ، من ينصحنا ويعرّفنا بعيوبنا . ويكاد هذا أن يكون مفصحا عن ضعف الإيمان ، فإن الأخلاق السيّئة كحيّات وعقارب لداغة . فلو نبّهنا منبّه عن أن تحت ثوبنا عقربا ستلدغنا منه ، فرحنا به واشتغلنا بإزالة العقرب وإبعادها وقتلها . وإنما نكايتها على البدن ودوام ألمها يوما فما دونه . ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب ، أخشى أن تدوم إلى الموت . ثم إنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ، ولا نشتغل بإزالتها ، بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته . فنقول له : وأنت أيضا تصنع كيت وكيت ، وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه . ويشبه أن يكون ذلك عن قساوة القلب التي أثمرتها كثرة الذنوب . وأصل كل ذلك : ضعف الإيمان . فنسأل اللّه عزّ وجلّ أن يلهمنا رشدنا ويبصرنا بعيوبنا ويشغلنا بمداواتها ، ويوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على مساوئنا ، بمنّه وفضله . الطريق الثالث : أن يستفيد بمعرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه . فإن عين السخط تبدي المساوئ . ولعلّ انتفاع الإنسان بعدو مشاحن يذكره عيوبه ، أكثر من انتفاعه بصديق مداهن ، يثني عليه ويمدحه ويخفي عنه عيوبه . إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو ، وحمل ما يقوله على الحسد ، ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه . فإن مساوئه لا بدّ وأن تنتشر على ألسنتهم . الطريق الرابع : أن يخالط الناس . فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق ، فليطالب نفسه بالبعد عنه . فإن " المؤمن مرآة المؤمن " ( سنن أبي داود ، باب الأدب ، 5 / 217 ) ، ويرى من عيوب غيره عيوب نفسه ، ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباعه الهوى . وما يتّصف به واحد من الأقران ، لا ينفكّ القرن الآخر عن أصله أو عن أعظم منه أو عن شيء منه ، فليتفقّد نفسه ويطهرها عن كل ما يذمّه من غيره . وناهيك بهذا تأديبا . فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم ، لاستغنوا عن المؤدّب . ( قل ، 300 ، 5 )